شهدت الساحة الدولية خلال الساعات الماضية واحدة من أكثر لحظات التوتر حدة في التاريخ المعاصر، حيث حبس العالم أنفاسه أمام تهديدات غير مسبوقة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لوّح فيها بمحو "حضارة كاملة" في إيران، قبل أن يتراجع في اللحظات الأخيرة ليعلن هدنة مؤقتة.
ومع تطورات الأحداث في الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تناولت الصحف الأمريكية -مثل نيويورك تايمز وذا هيل وبوليتيكو- بالتحليل تصاعد التوتر الذي بلغ ذروته مع تهديد ترمب بمحو الحضارة الإيرانية تماما.وقد أثار ذلك التهديد، الذي ورد في منشور كتبه الرئيس الأمريكي يوم الثلاثاء على منصته الخاصة "تروث سوشيال" عبر وسائل التواصل الاجتماعي أيضا قلق بعض مساعديه ومؤيديه، رغم أن مسؤولين في إدارته رأوا أنه لا يعدو أن يكون "تكتيكا تفاوضيا" لإجبار طهران على تقديم تنازلات.
للخبر بقية في الأسفل.. ومن أخبارنا أيضاً:
تهديد صادم
وفي تحليل إخباري، أفادت كاتي روجرز، مراسلة صحيفة نيويورك تايمز من البيت الأبيض، بأن خطاب ترمب الحاد "تجاوز حدود المبالغة السياسية"، واصفة إياه بأنه كان "تهديدا صادما" و"صيغ ببرود لافت يضر بمصداقيته كمفاوض وبمكانة بلده في العالم".
وكان ترمب قد كتب في منشوره المذكور قائلا: "حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبدا"، وهو تصريح اعتبرت الصحيفة "ينمُّ عن أسلوب اعتباطي ومندفع" بات سمة مميزة للرئيس، فيما وصفه خبراء قانونيون بأنه تحريض علني على تنفيذ "جرائم حرب".وترى روجرز أن هذا الأسلوب، الذي يمزج بين الوعيد بالدمار الشامل وبين إعلانات تجارية لأقلام على شكل رصاص وقبعات وطنية، بات النمط المفضل لترمب في التواصل مع العالم.وحسب التحليل، فإن هذا التصعيد يأتي في سياق الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز، حيث هدد ترمب سابقا بضرب البنية التحتية الإيرانية، قبل أن يعود ويعلن لاحقا موافقته على مقترح لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بوساطة باكستان.هذا التذبذب، بين التهديد والتراجع، يعكس ما وصفته الصحيفة بـ"دبلوماسية حافة الهاوية"، التي يعتمدها الرئيس الأمريكي لتحقيق مكاسب تفاوضية.
غير أن خبراء حذروا من تداعيات هذا النهج. فقد قال أليكس ويلرستين، المؤرخ المتخصص في النزاعات النووية، إن "الخطاب العنيف -حتى إذا لم يُنفذ- يقوض مصداقية الولايات المتحدة ويجعلها تبدو دولة غير مستقرة وخطيرة"، مضيفا أن العالم بات يرى واشنطن "شريكا غير موثوق به".كما أشارت الصحيفة إلى أن التهديدات الأمريكية لم تؤدّ إلى إضعاف الموقف الإيراني، بل على العكس، دفعت بعض الإيرانيين إلى تشكيل سلاسل بشرية لحماية منشآت بلدهم المدنية.العظمة ليست بالقوة
وفي سياق متصل، نقلت صحيفة ذا هيل في تقرير للكاتبة سديكشا كوشي، ردود فعل غاضبة من داخل المعسكر الجمهوري نفسه.
واستشهدت كوشي بتصريح للعضو الجمهوري في مجلس النواب عن ولاية تكساس، ناثانيال موران، الذي كسر حاجز الصمت معلنا رفضه القاطع لتهديدات الرئيس.
وكتب موران عبر منصة إكس: "اسمحوا لي أن أكون واضحا: أنا لا أدعم تدمير حضارة كاملة. هذا لا يُمثلنا، ولا يتماشى مع المبادئ التي لطالما اهتدت بها أمريكا".
وأضاف أن "عظمة أمريكا لا تكمن فقط في قوتها، بل في كيفية استخدام هذه القوة"، مؤكدا ضرورة الالتزام بــ"مبادئ أخلاقية عادلة" في أي عمل عسكري.ولم تقتصر الانتقادات على موران، بل امتدت لتشمل السيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي، التي أكدت لصحيفة "ذا هيل" أن هذا النوع من الخطاب لا يمكن تبريره كأداة ضغط في المفاوضات، واصفة إياه بأنه "إهانة للمثل العليا التي سعت أمتنا لدعمها منذ ما يقرب من 250 عاما".
كما حذّرت من أن التهديد بمحو حضارة يمثل خطرا مباشرا على الأمريكيين في الداخل والخارج، مشددة على ضرورة التمييز بين النظام الإيراني والشعب الإيراني ذي الحضارة العريقة.بدوره، قال دون بيكون العضو الجمهوري بمجلس النواب عن ولاية نبراسكا، إن تهديدات ترمب "تقوّض الثقة داخليا ومع الحلفاء"، بينما شدد النائب المستقل عن ولاية كاليفورنيا كيفن كيلي على أن الولايات المتحدة "لا تدمر الحضارات ولا تتوعد بذلك كوسيلة تفاوض".
في غضون ذلك، أكد المبعوث الإيراني لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، استعداد بلاده للدخول في "مفاوضات حقيقية"، لكنه رفض وقفا مؤقتا لإطلاق النار.محو الحضارة
من جهتها، سلطت صحيفة بوليتيكو الضوء على الجانب التقني والسياسي لهذه الأزمة، حيث قالت المراسلتان غابي ميلر وكاثرين لونغ إن الرئيس الأمريكي بات يستخدم منصته الخاصة "تروث سوشيال" أداة مباشرة لإيصال رسائله دون أي رقابة، في وقت تراجعت فيه شركات التكنولوجيا الكبرى عن فرض قيود صارمة على خطابه.
واعتبرت المراسلتان، في تقريرهما، أن منشور "محو الحضارة" هو المثال الأبرز على تنامي قوة ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغياب "حواجز الحماية" التي كانت موجودة في ولايته الأولى.ونقلت الصحيفة عن كاتي هرباث، المسؤولة السابقة في شركة "ميتا"، قولها إن ترمب اليوم يتمتع بــ"أكبر قدر من النفوذ لنشر رسائله دون القلق بشأن القيود".
وأضافت تعليقا على منشور لاحق كتبه، يوم الثلاثاء نفسه، معلنا فيه هدنة لمدة أسبوعين: "لو حدث هذا خلال ولايته الأولى، لكان الناس أكثر قلقا بشأن إذا ما كان ينبغي بقاء هذا المنشور أو حذفه".ووفقا للتقرير، تمتلك منصة "تروث سوشيال" قاعدة مستخدمين صغيرة نسبيا، إذ قُدِّر عدد مستخدميها النشطين بنحو 6.3 ملايين مستخدم حتى العام الماضي، مقارنة بـ 3 مليارات مستخدم شهريا على فيسبوك.انفتاح بلا قيود
وتشير بوليتيكو إلى حدوث تحول جذري في تعامل عمالقة التكنولوجيا مع ترمب؛ فبينما واجه عقوبات من شركتي تويتر وفيسبوك في عام 2020 بسبب منشورات حول العنف أو تضليل المعلومات، يبدو أن منصات مثل إكس المملوكة لحليفه إيلون ماسك، لا تبدي أي رغبة في لجم خطابه حاليا.
ورغم صغر قاعدة مستخدميها، فإن المنصة أصبحت منبرا يتيح لترمب التأثير في النقاش العام، حيث تلتقط وسائل الإعلام تصريحاته وتعيد نشرها على نطاق واسع.ولعل هذا ما دعا المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إلى وصف ترمب بأنه الرئيس "الأكثر شفافية في التاريخ"، وأن العالم ممتن له على إتاحته للجمهور فرصة التعرف المباشر على طريقة تفكيره.
لكن هذا الانفتاح "غير المقيد" يثير مخاوف بشأن تأثير الخطاب السياسي على الاستقرار الدولي.
فقد نقلت بوليتيكو عن نو ويكسلر، المستشار التقني والموظف السابق في غوغل وفيسبوك، القول إن تراجع شركات التكنولوجيا عن سياسات ضبط المحتوى لا يعكس التزاما بحرية التعبير بقدر ما يعكس خوفها من "ارتفاع التكلفة السياسية المترتبة على مواجهة الرئيس".
المصدر: بوليتيكو + نيويورك تايمز + هيل