في عمق الأحكام الفقهية التي تحفظ كرامة المرأة، تبرز قضية "العضل" كواحدة من أكثر الممارسات التي حذر منها الإسلام، واصفاً إياها بالظلم والتعدي على حدود الله. فما هو العضل؟ ولماذا نزل فيه وحيٌ يتلى إلى يوم الدين؟
مفهوم العضل: عندما يتحول الولي إلى عائق
للخبر بقية في الأسفل.. ومن أخبارنا أيضاً:
العضل لغوياً هو المنع والحجب، أما شرعاً فهو قيام الولي (الأب، الأخ، أو القريب) بمنع المرأة من الزواج برجل كفء ترضاه، أو منع المطلقة من العودة لزوجها السابق إذا رغبا في ذلك. هذا الفعل ليس مجرد قرار أسري، بل هو محرم شرعاً بنص القرآن الكريم.
قصة نزول الآية: درس في الحقوق الزوجية
نزلت الآية الكريمة: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} في الصحابي معقل بن يسار، الذي منع أخته من العودة لزوجها بعد انقضاء عدتها. فرغم محبته لأخته، إلا أن الإسلام أرسى قاعدة واضحة: "لا يحق للولي منع المرأة من قرار يخص حياتها ومستقبلها إذا كان مبنياً على التراضي والمعروف".
الآثار النفسية والاجتماعية المدمرة
خلف قضبان العضل، تعيش الكثير من النساء معاناة صامتة تؤدي إلى نتائج كارثية:
الحقد والضغينة: يتولد شعور بالمرارة تجاه الأهل الذين صادروا حقها الطبيعي، مما يفكك الروابط الأسرية.
العزلة والاكتئاب: الانسحاب من المجتمع والشعور باليأس نتيجة تحول المنزل إلى ما يشبه "السجن".
الفتنة والفساد: كما حذر النبي ﷺ، فإن منع الزواج من الكفء يفتح أبواباً للفتنة ويؤدي إلى عواقب وخيمة على أخلاق المجتمع واستقراره.
كلمة الفصل: ولاية السلطان والقانون
أكد العلماء (ومنهم الإمام الشافعي) أنه في حال تعنت الولي ومنعه للمرأة من الزواج بغير سبب شرعي، تنتقل الولاية إلى القاضي أو السلطان. فالحق في اختيار شريك الحياة هو حق أصيل، والولي مأمور بالرعاية والإرشاد، لا بالإجبار أو العضل.
رسالة إلى كل ولي أمر: اتقوا الله في بناتكم، فأنتم مسؤولون عن هذه الأمانة أمام الله، والزواج سكنٌ ومودة وليس ساحة لتصفية الحسابات أو فرض السيطرة. السؤال: كثيرًا ما يحدث بين الناس مثل هذا في كثير من البيوت، وهو عضل البنت عن الزواج؛ بسبب رأي أحد أفراد الأسرة. حبذا لو تفضلتم بتوجيه عام في هذا؟
الجواب: الواجب على الأسرة وبالأخص على وليها أن يختار لها الرجل الصالح الطيب في دينه وخلقه، فإذا رضيت وجب أن تُزوَّج، ولا يجوز لأحد أن يعترض في ذلك؛ لهوى في نفسه؛ أو لغرض آخر من الدنيا، أو لعداوة وشحناء، كل ذلك لا يجوز اعتباره، وإنما المعتبر كونه مرضيًا في دينه وأخلاقه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح في شأن المرأة: تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك[1]، وهكذا يقال في الرجل سواءً بسواء. فالواجب الحرص على الظفر بصاحب الدين، وإن أبى بعض الأسرة فلا يلتفت إليه؛ لقول النبي ﷺ: إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير[2][3]
رواه البخاري في (النكاح)، (باب الأكفاء في الدِّين)، برقم: 5090، ومسلم في (الرضاع)، باب (استحباب نكاح ذات الدين)، برقم: 1466.
ذكره البيهقي في (السنن الكبرى)، بلفظ: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه... "، في باب (الترغيب في التزويج من ذي الدين والخلق المرضي)، برقم: 13259.
(مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 20/