في خبايا التاريخ السياسي، تظل الكواليس وكيفية إدارة الأزمات هي المعمل الحقيقي الذي يُصنع فيه القادة والمستبدون على حدٍّ سواء. بعيداً عن عناوين الإثارة الصحفية، تعود جذور الصعود السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً إلى كواليس عمله مع خبيرة علم النفس والمستشارة الاستراتيجية الدكتورة روث بار، التي خرجت مؤخراً عن صمتها لتكشف تفاصيل أسلوب بنيامين نتنياهو في بناء شخصيته وتوظيف الإعلام.
1. صناعة "الصورة" والهندسة النفسية للجمهور
للخبر بقية في الأسفل.. ومن أخبارنا أيضاً:
بفضل الله تم القبض على فتاة سورية تخلع ملابسها قطعة قطعة بمكالمة فيديو مع شاب .. تفاصيل صادمة للغاية
لم يكن نتنياهو في بداياته سياسياً مخضرماً بالفطرة، بل كان نتاج عمل دقيق وهندسة استراتيجية دؤوبة. كشفت أوراق ومذكرات الدكتورة روث بار (والتي أوجزتها في كتابها "دماغ تحت التأثير") كيف أدارا سوياً دراسات إستراتيجية حول الانطباع الجماهيري، استهدفت تطوير لغة جسده، ونبرة صوته، ورسائله الإعلامية.
تطوير الكاريزما والسيطرة: كانت الاستراتيجية تعتمد على الانتقال من لغة الفرد إلى استخدام لفظ "نحن" لربط ذاته بالأمة، ومخاطبة العواطف بدلاً من الرهان على التحليل العقلاني المجرد.
فرض الإيقاع المباشر: تدرب نتنياهو على المبادرة في المقابلات الإعلامية ورفض دور "المُجيب"، والتحول فوراً إلى الهجوم لتوجيه بوصلة الحوار نحو نقاط قوته.
2. أزمة "الشريط الساخن" (1993): المبدأ النيتشوي للسيطرة على الرواية
شكلت حادثة عام 1993 محطة مفصلية في مسيرة نتنياهو، حين تسرّبت شائعات وتهديدات تطال علاقة خاصة جمعته بمستشارته روث بار، بهدف ابتزازه سياسياً لإجباره على الانسحاب من منافسة قيادة حزب الليكود.
بدلاً من الانتظار أو الدفاع، اتخذ نتنياهو قراراً دراماتيكياً بظهوره المباشر على الشاشة الرسمية واعترفه بالواقعة مع توجيه الاتهام لخصومه بالابتزاز. ورغم أن هذا التصرف نتج عن ذعر وقتي وأحدث أزمة عائلية حادة، إلا أنه أرسى مبدأً استراتيجياً صار ملازماً لأسلوبه السياسي لاحقاً:
استباق الأزمة (Preempting the Crisis): أن تخرج بالقصة بنفسك وتفرض روايتك الخاصة أفضل بمليون مرة من أن تترك الخصوم يروونها نيابة عنك.
تحويل الضحية إلى مهاجم: استطاع تحويل فضيحة شخصية إلى قضية استهداف سياسي وابتزاز من قبل منافسيه الحزبيين.
3. جذور "آلة السموم" والقطبية السياسية
تظهر القراءة النفسية لشخصية نتنياهو في تلك الفترة بدايات ما يُعرف اليوم في الخطاب السياسي بـ "آلة السموم". أدرك نتنياهو مبكراً أن بناء القاعدة الجماهيرية الصلبة لا يتطلب فقط تقديم برنامج إيجابي، بل يحتاج إلى صناعة خصم واضح وشيطنته.
عمل نتنياهو على استغلال التناقضات والانقسامات الداخلية، ومهاجمة المنافسين بأسلوب يتسم بـ:
استغلال مشاعر الاستعلاء: السعي الدائم للظهور بمظهر "الخبير الشامل" الذي يفوق الجميع معرفةً وقدرة.
الاستقطاب الحاد: تقسيم الشارع السياسي إلى معسكرين (معنا أو ضدنا)، وهي أدوات نفسية فعالة جداً في السيطرة على العقول والتأثير في الجماهير.