تتنافس شركات الأدوية على تطوير علاجات تعتمد على مادة قديمة عرفتها غرف العمليات منذ عقود، هي الكيتامين، بعدما تحوّل الكيتامين لعلاج الاكتئاب إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للاهتمام في الطب النفسي، وسط آمال بأرباح كبيرة من سوق تتوسع بسرعة.
ولهذا السباق أهمية تتجاوز حسابات الربح؛ فملايين المرضى حول العالم لا يستجيبون للأدوية المتاحة، وأي علاج جديد قد يغيّر حياتهم، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة جدية عن الأمان وسوء الاستخدام.
للخبر بقية في الأسفل.. ومن أخبارنا أيضاً:
الديوان الملكي يثير التساؤلات بعد أنباء عن حالة حداد في المملكة.. ما حقيقة الخبر المتداول؟
"ما الذي يحدث في باريس؟".. غضب عارم بالشارع الفرنسي بعد تصريحات ماكرون الأخير
"فرنسا فوق بركان".. ماكرون يوجه اتهامات خطيرة ويشعل أزمة الاحتجاجات
"100 فيلم في 5 أشهر فقط".. كيف طوّعت مصر "الذكاء الاصطناعي" لمواجهة الإرهاب؟
"مخدر أم علاج معجزة؟".. الكواليس الخفية لسباق شركات الأدوية حول "الكيتامين"
"زلزال في عالم السيارات والفضاء".. سر رغبة إيلون ماسك في توحيد تسلا وسبيس إكس
"في سماء العاصمة والمدينة".. الدفاع الجوي السعودي يسقط 4 مسيرات ويمنع الكارثة
الذكاء الاصطناعي يحسم الجدل".. كمبيوتر خارق يكشف صاحب "الكرة الذهبية"!
مخدر جراحي عمره ستة عقود
طُوّر الكيتامين في ستينيات القرن العشرين ليكون مخدراً يُستخدم في العمليات الجراحية، وما زال حتى اليوم حاضراً في الطب البشري والطب البيطري على حد سواء. ومن أبرز مزاياه أنه لا يثبّط التنفس بالقدر الذي تفعله مخدرات أخرى، وهو ما جعله مفيداً في ظروف الطوارئ وفي البيئات محدودة الموارد.
ولهذا السبب أدرجته منظمة الصحة العالمية على قائمتها للأدوية الأساسية، أي الأدوية التي ترى المنظمة أن على كل نظام صحي توفيرها. غير أن المادة نفسها عُرفت أيضاً خارج المستشفيات بوصفها مادة يُساء استخدامها، ولذلك تخضع للرقابة في معظم دول العالم، ومنها الدول العربية.
كيف يعمل الكيتامين لعلاج الاكتئاب بطريقة مختلفة؟
منذ مطلع الألفية الثالثة، لاحظ باحثون أن الكيتامين يُحدث أثراً مضاداً للاكتئاب لدى بعض المرضى خلال وقت قصير نسبياً، قد يُقاس بالساعات أو الأيام، في حين تحتاج مضادات الاكتئاب التقليدية عادة إلى أسابيع قبل أن يظهر أثرها.
من السيروتونين إلى الغلوتامات
تعتمد معظم مضادات الاكتئاب الشائعة على التأثير في نواقل عصبية مثل السيروتونين والنورأدرينالين. أما الكيتامين فيسلك طريقاً آخر؛ إذ يؤثر في مستقبلات NMDA المرتبطة بالغلوتامات، وهو الناقل العصبي المنبّه الأوسع انتشاراً في الدماغ. ويمكن تشبيه الأمر بمحاولة إصلاح عطل كهربائي عبر لوحة تحكم مختلفة تماماً عن تلك التي جرّبها الفنيون لسنوات.
هذا الاختلاف في الآلية هو ما جعل الكيتامين لعلاج الاكتئاب موضع حماسة الباحثين؛ فهو يفتح باباً جديداً لفهم الاكتئاب نفسه، بعد عقود ظل فيها التفكير الدوائي يدور حول عائلة محدودة من النواقل العصبية.
لماذا تتسابق شركات الأدوية على هذه المادة؟
عند قراءة دوافع هذا السباق، تبرز مجموعة من الأسباب المتشابكة التي تجمع بين الحاجة الطبية والحسابات التجارية:
-
حجم الحاجة غير الملبّاة: يعاني عدد كبير من مرضى الاكتئاب من الاكتئاب المقاوم للعلاج، أي الحالات التي لا تتحسن رغم تجربة أكثر من دواء.
-
سرعة المفعول: الأثر السريع ميزة لافتة في مرض قد تكون فيه أسابيع الانتظار ثقيلة على المريض وأسرته.
-
ندرة الجديد في الطب النفسي: شهد هذا المجال قلة واضحة في الأدوية ذات الآليات الجديدة منذ عقود، ما يجعل أي اختراق محتمل محط اهتمام واسع.
-
منطق براءات الاختراع: الكيتامين نفسه مادة قديمة يصعب احتكارها، لذلك تسعى الشركات إلى تطوير تركيبات أو مشتقات أو طرق إعطاء جديدة يمكن حمايتها ببراءات اختراع.
ويمكن القول، على سبيل التحليل، إن النقطة الأخيرة تفسّر جانباً كبيراً من المشهد؛ فالسباق لا يدور حول الكيتامين التقليدي بقدر ما يدور حول ما يمكن بناؤه عليه.
الإسكيتامين: أول محطة تنظيمية كبرى
جاءت النقطة الفاصلة عام 2019، حين وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على بخاخ أنفي يحتوي على الإسكيتامين، وهو أحد شقّي جزيء الكيتامين، طوّرته شركة جانسن التابعة لمجموعة جونسون آند جونسون، وطُرح تحت اسم "سبرافاتو" (Spravato) لعلاج الاكتئاب المقاوم للعلاج.
لكن هذه الموافقة لم تعنِ أن الدواء متاح لأي شخص في الصيدليات؛ إذ يُعطى تحت إشراف طبي في مراكز معتمدة، ويبقى المريض تحت المراقبة فترة بعد تلقيه، بسبب آثاره الجانبية المحتملة. وقد أعطت هذه الخطوة إشارة واضحة إلى أن الجهات التنظيمية مستعدة للنظر في هذا النوع من العلاجات، ما شجّع عدداً من شركات الأدوية الناشئة والكبرى على دخول المجال.
عيادات خارج الإطار المعتمد
بالتوازي مع ذلك، انتشرت في بعض الدول عيادات تقدّم حقن الكيتامين لأغراض نفسية خارج الاستخدامات المعتمدة رسمياً، وهو ما يُعرف بالاستخدام "خارج النشرة" (off-label). ويطرح هذا الانتشار أسئلة عن معايير الجودة، وعن مدى التزام بعض هذه العيادات بالتقييم الطبي الدقيق والمتابعة.
الوجه الآخر: مخاطر لا يجوز تجاهلها
الحماسة العلمية لا تلغي حقيقة أن الكيتامين مادة قوية لها آثار جانبية معروفة، من أبرزها:
-
الهلوسة والانفصال عن الواقع: قد يشعر المريض بتشوّش في الإدراك أو بأنه منفصل عن جسده ومحيطه، وهي تجربة قد تكون مزعجة ومخيفة، ولذلك تستلزم مراقبة طبية.
-
ارتفاع ضغط الدم: وهو أثر يستدعي الحذر، خاصة لدى من يعانون أمراض القلب والأوعية الدموية.
-
سوء الاستخدام والإدمان: فالمادة معروفة خارج الإطار الطبي، وهو ما يفسّر خضوعها للرقابة.
-
أضرار المثانة: رُصدت لدى من يستخدمونه استخداماً مزمناً غير طبي، وقد تكون خطيرة.
ومن هنا، فإن أي حديث عن الكيتامين لعلاج الاكتئاب ينبغي ألا يقدّمه علاجاً سحرياً. فالاستجابة تختلف من شخص لآخر، وأثره قد يكون مؤقتاً لدى بعض المرضى، وما زالت أسئلة الاستخدام طويل الأمد قيد البحث.
تنبيه صحي: ماذا يعني هذا للقارئ العربي؟
الكيتامين ليس علاجاً منزلياً، ولا يُستخدم إلا تحت إشراف طبي مختص، وبعد تقييم دقيق لحالة المريض. كما أنه مادة خاضعة للرقابة في معظم الدول العربية، وحيازته أو استخدامه خارج الإطار الطبي قد يعرّض صاحبه لمخاطر صحية وقانونية في آن واحد.
والسؤال الذي قد يطرحه كثيرون: هل ينبغي لمن يعاني الاكتئاب أن ينتظر هذه العلاجات الجديدة؟ الإجابة الأدق أن الخيارات المتاحة اليوم، من علاج نفسي وأدوية معتمدة، تساعد كثيراً من المرضى، والطبيب المختص هو من يحدد الخيار المناسب لكل حالة.
إذا كنت تعاني من الاكتئاب أو تراودك أفكار لإيذاء نفسك، فلا تتردد في طلب المساعدة فوراً من طبيب أو من خط دعم نفسي في بلدك. الحديث مع مختص خطوة شجاعة، وليست علامة ضعف.
أسئلة شائعة حول الكيتامين لعلاج الاكتئاب
هل الكيتامين دواء معتمد لعلاج الاكتئاب؟
اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأميركية عام 2019 بخاخ الإسكيتامين الأنفي "سبرافاتو" لعلاج الاكتئاب المقاوم للعلاج، على أن يُعطى تحت إشراف طبي في مراكز معتمدة.
ما الذي يميّز الكيتامين عن مضادات الاكتئاب التقليدية؟
يتميّز بسرعة أثره لدى بعض المرضى، وبآلية مختلفة تعتمد على التأثير في مستقبلات NMDA والغلوتامات، بدلاً من السيروتونين.
هل يمكن استخدام الكيتامين في المنزل؟
لا. هو مادة خاضعة للرقابة، ولا يُستخدم إلا تحت إشراف طبي مختص بسبب آثاره الجانبية وإمكانية إساءة استخدامه.
ما أبرز مخاطره؟
الهلوسة والانفصال عن الواقع، وارتفاع ضغط الدم، واحتمال الإدمان، وأضرار المثانة عند الاستخدام المزمن غير الطبي.
خلاصة القول
يكشف سباق شركات الأدوية حول الكيتامين لعلاج الاكتئاب عن تقاطع لافت بين حاجة طبية ملحّة ومصالح تجارية واضحة. فالمادة القديمة فتحت نافذة جديدة لفهم الاكتئاب وعلاجه، لكن قيمتها الحقيقية لن تتحدد بحجم الأرباح، بل بقدرة الأبحاث على إثبات الأمان والفاعلية على المدى البعيد، وبقدرة الأنظمة الصحية على ضبط استخدامها. وبين الوعد والمخاطر، يبقى الطبيب المختص هو البوابة الوحيدة الآمنة لأي علاج من هذا النوع.